الأخبار المحلية

كتب/ فريق شرطة(حقوقي) د. الطيب عبدالجليل حسين محمود المحامي استشاري القانون والموثق

عرض مرسال نيوز
بداية وكمدخل للمقالة هذه، نتناول مؤشرات دلالة ما إنتهت إليه الجلسة التمهيدية (الجلسة الأولى) لمحكمة العدل الدولية التي إنعقدت في لاهاي بتاريخ 10 ابريل 2025م، لبدء المحكمة الإجراءات القضائية للبت والنظر في الدعوى المرفوعة من دولة جمهورية السودان ضد دولة الأمارات العربية المتحدة، وعلى زعم انتهاك دولة الأمارات العربية المتحدة لاتفاقية منع الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها، لدعم دولة الامارات العربية المتحدة مليشيا قوات الدعم السريع(وهي قوات شبه عسكرية) تشن حرب في السودان منذ 15 أبريل 2023م، وارتكاب مليشيا قوات الدعم السريع جرائم إبادة جماعية ضد مجموعة المساليت في ولاية غرب دارفور، بشن هجمات ممنهجة على المجموعات العرقية غير العربية في إقليم دارفور، وخاصة مجتمع إثنية قبيلة المساليت، بهدف تدميرهم كجماعة إثنية عرقية مختلفة.
وما إنتهت إليه محكمة العدل الدولية في جلستها التمهيدية الأولية، أن رئيس المحكمة القاضي الياباني يوجي إيواساوا، أوضح لممثلي أطراف الدعوى القضائية المفوضين، أن المحكمة ستعلن قرارها حول طلب دولة جمهورية السودان الداعي إلى إلزام دولة الإمارات العربية المتحدة باتخاذ تدابير عاجلة ومؤقتة لمنع الإبادة الجماعية، في البلاد، وأن قرار المحكمة سيكون في أقرب وقت ممكن، لتقديم دولة الامارات العربية المتحدة دفوع مناهضة ذات طابع عام، ويقتضي من المحكمة دراستها للبت فيها موضوعاً. وكما أنه، خلال الجلسة، طلب أحد أعضاء قضاة المحكمة من ممثلي دولة الإمارات العربية المتحدة، إبداء تفسير مكتوب حول دواعي تحفظ دولة الأمارات العربية المتحدة على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م إبان توقيعها في العام 2005م. وفيما طلب قاض ثانٍ آخر من ممثلي دولة الأمارات العربية المتحدة، تقديم ترجمة حرفية لنص التحفظ على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، لوجود نصين بلغتين مختلفتين.
وإيذاء ذلك، للفصل الموضوعي في الدعوى. نطرح سؤال، ما القيمة والفائدة القانونية لما إنتهت إليه محكمة العدل الدولية في جلستها التمهيدية للفصل والبت في الدعوى القضائية؟ والسؤال المطروح، بالنسبة للوقائع الموضوعية والوقائع الإثباتية، للإدعاءات المزعومة من دولة جمهورية السودان، أن دولة الأمارات العربية المتحدة، انتهكت اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة مرتكبيها، لوقوع جريمة الابادة الجماعية من مليشيا الدعم السريع تضررت منها إثنية قبيلة المساليت السودانية. وكما نطرح سؤال آخر، بسؤال ما الفائدة والقيمة القانونية من أن تقول محكمة العدل الدولية، أن الدفوع المقدمة من دولة الامارات العربية المتحدة المناهضة لإدعاءات دولة جمهورية السودان، أنها دفوع ذات طابع عام؟ وما هي الفائدة والقيمة القانونية، أن تطلب المحكمة من ممثلي دولة الامارات العربية، توضيح دواعي تحفظها على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها؟ وما هي الفائدة والقيمة القانونية من طلب محكمة العدل الدولية، أن يقدم ممثلي دولة الأمارات العربية المتحدة ترجمة حرفية لنص التحفظ على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، لوجود نصين بلغتين مختلفتين؟
وللاجابة على التساؤلات المطروحة، يمكن إستخلاص إتجاه ونتيجة سير الدعوى القضائية؛ وذلك بحسبما تدعية دولة جمهورية السودان من عريضة الدعوى القضائية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة، بايداع عريضة دعوى أمام محكمة العدل الدولية (ICJ) بتاريخ 05/ 03/ 2025م، موضحة العريضة وقائع موضوعية وإثباتية بوقوع انتهاكات مزعومة لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م، ووفق المسئولية التعاقدية لدولة الامارات العربية المتحدة، الانتهاكات المزعومة والجرائم إرتكبتها مليشيا قوات الدعم السريع على إثنية قبيلة المساليت في دارفور. وذلك، استنادًا على ادعاءات من دولة جمهورية السودان، أن دولة الإمارات العربية المتحدة، تدعم اعمال الإبادة الجماعية، التي ترتكبها مليشيا قوات الدعم السريع في غرب دارفور ضد جماعة إثنية قبيلة المساليت. وبالتالي، بناء على الوقائع الموضوعية والوقائع الإثباتية المطروحة والمقدمة من دولة جمهورية السودان ضد دولة الأمارات العربية المتحدة، تثير الدعوى أسئلة هامة، نوجزها في الآتي:
(1) طرح تساؤلات حول طبيعة ومدى التواطؤ في جريمة الإبادة الجماعية، القائمة حججها القانونية والموضوعية من دولة جمهورية السودان ضد دولة الامارات العربية المتحدة.
(2) أنه من غير المرجح أن تنظر محكمة العدل الدولية في الادعاءات القانونية والموضوعية، أو تصدر قرارًا بشأنها، ومقررة المحكمة بذلك، شطب الدعوى، نظرًا للآتي:
(أ) لأن دولة الامارات العربية المتحدة، قدّمت تحفظًاً على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م، وقد كان ذلك التحفظ عند انضمام دولة الامارات العربية المتحده للاتفاقية عام 2005م، وتنص المادة على الآتي:(تعرض علي محكمة العدل الدولية، بناء علي طلب أي من الأطراف المتنازعة، والنزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ إتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وبما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة من ذات الإتفاقية). وحيث هي المادة المحددة للاختصاص القضائي لمحكمة العدل الدولية، بأن تنظر وتبت المحكمة موضوعاً في وقائع واقعات الدعوى.
(ب) أن تثير وتدفع دولة الامارات العربية المتحدة، تحفظها على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها. وهو ما سيجعل المحكمة، أن تخلص إلى أن الدعوى تفتقر إلى الاختصاص القضائي للنظر في النزاع. لأن المادة التاسعة من الاتفاقية هي التي تمنح الدول صلاحية قبول اختصاص محكمة العدل الدولية في النزاعات المتعلقة بتفسير أو تنفيذ أو تطبيق الاتفاقية.
وعليه برأي، حجج هذه التساؤلات من القانون والموضوع في التقاضي أمام محكمة العدل الدولية، أساسه من القانون؛ مقتضيات أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م. وميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945م. واتفاقية جنيفا للمعاهدات لسنة 1969م. وقواعد القانون الدولي العرفية، بشأن واجب الدول التقيد بالتزاماتها وتعهداتها الاتفاقية والتعاقدية الإنسانية، الوارده في صكوك الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بضمانات حقوق الإنسان، المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني. وبالتالي، فإنه بمقتضى الاتفاقيات الدولية التي تحوى في أحشائها مبادئ عرفية من القانون الدولي، فإنه من حيث القانون، يُثار ويُطرح المبدأ الوارد في القانون الدولي المقرر أن القواعد التي أصبحت بمثابة عرف دولي، ينعقد فيها الاختصاص لمحكمة العدل الدولية، وحتى، وإن، لم تكن الدولة عضواً في الاتفاقية التي ورد فيها النص الذي أصبح عرفاً دولياً. وحيث أن جريمة الإبادة الجماعية من المبادئ العرفية في القانون الدولي، فإن محكمة العدل الدولية، تكون مختصة بالنظر والبت في النزاع المطروح أمامها من دولة جمهورية السودان ضد دولة الامارات المتحدة.
ونظراً فيما هو مطروح من أسانيد وحجج القانون، أشير وبإيجاز ودونما إسهاب مخل، لجدل السجال الفقهي لأستاذ القانون الدولي مايكل بيكر(الأستاذ المساعد في قانون حقوق الإنسان الدولي والأوروبي في كلية ترينتي في دبلن)، الذي يثير ويطرح رأي لأحد فقهاء القانون الدولي السيد/ بونه دياموند المنشور في مدونة Opinio Juris بعنوان:(عدم شرعية التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م). والحجة عندي، تبني مرئية آراء بونه دياموند القائل بها مايكل بيكر. لأن الرأي الفقهي تشريعا للقانون، أداة من أدوات تطوير القانون، فهو بذلك(أي الرأي الفقهي)، يجعل من عدم مشروعية التحفظ من دولة الامارات العربية المتحدة دفع قانون، وذات أهمية خاصة، لمصادفته التوقيت المكاني والزمني والموضوعي لدعوى دولة جمهورية السودان المودعة أمام محكمة العدل الدولية، قيودات ضد دولة الامارات العربية المتحدة. لاعتبار أن دولة جمهورية السودان في دعواها، ستسعى/ أو فعلاً قد سعت، إلى الطعن بدفع من القانون والموضوع في تحفظ دولة الامارات العربية المتحدة على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بتقديم دفع على أساس أن التحفظات تتعارض مع موضوع وغرض اتفاقية الإبادة الجماعية.
وحيث الطعن في التحفظ، كدفع من القانون، نظراً للتحفظ من حيث الشكل والموضوع المقررة احكامه في المواد 02، 19 من اتفاقية قانون المعاهدات لسنة 1968م، لتقريرهما(أي المواد من الاتفاقية) الجوانب الموضوعية والشكلية، لقبول التحفظ، وقبول مدى أثر سريان التحفظ على الدولة الطرف في أي اتفاقية دولية وفقاً لتعريف التحفظ بأنه إعلان من جانب واحد، أيا كانت صيغته أو تسميته، تصدره دولة ما عند توقيعها أو تصديقها أو قبولها أو إقرارها أو إنضمامها إلى معاهدة، مستهدفة به استبعاد أو تغيير الأثر القانوني لبعض أحكام المعاهدة من حيث سريانها على تلك الدولة؛ الأمر الذي يثير ويطرح مسألة التحفظ وأثره من حيث تأثير التغيرات الجوهرية على المعاهدة الدولية، وفقاً لقاعدة التغيير للظروف، وقاعدة شرط بقاء الشئ على حاله، تبعاً للمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على الدول. وذلك، لاعتبار أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948م في ديباجتها المفسرة لنصوص الإتفاقية، أعلنت أن الإبادة الجماعية، جريمة بمقتضى أحكام القانون الدولي. وأن الإبادة الجماعية، تتعارض مع روح الامم المتحدة وأهدافها، ويدينها العالم المتمدن. وأن الامم المتحدة، تعترف بأن الإبادة الجماعية، ألحقت خسائر جسيمه بالانسانية. وأن تحرير البشرية من آفة الإبادة الجماعية، يتطلب التعاون الدولي. فإنه بذلك، ووفق اتفاقية قانون المعاهدات لسنة 1969م، اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لسنة 1948، مصدر للقانون الدولي في القضايا الانسانية المتعلقة بحقوق الانسان، وسبيل لتطوير التعاون السلمي بين الدول الأعضاء الطرف في الإتفاقية، مهما كانت نظمها الدستورية والاجتماعية، ودونما نظر لآثارها على موضوع وأهداف الاتفاقية(أي الانتقاص من قيمة مبدأ سيادة الدول، لقبولها أن تكون طرف في الاتفاقية). وأن المنازعات المتعلقة بالاتفاقية، يجب أن تسوى بالطرق السلمية ووفق مبادئ العدالة والقانون الدولي. وأن على الدول الأطراف، التزام الحفاظ على العدالة واحترام الالتزامات الناشئة من الاتفاقية. وأن تضع الدول أطراف الاتفاقية اعتبارا لمبادئ القانون الدولي المقررة في ميثاق الأمم المتحدة مثل: الحقوق المتساوية، وتقرير الشعوب لمصائرها، والمساواة في السيادة، واستقلال جميع الدول عن بعضها البعض، وعدم التدخل في شئونها الداخلية، ومنع التهديد بالقوة أو استعمالها. وأن على الدول الاطراف في الاتفاقية، واجب الإلتزام بتعهداتها الاتفاقية، بالاحترام العالمي لحقوق الإنسان. وأن تعمل الدول اطراف الاتفاقية على دعم مبادئ الأمم المتحدة المنصوص عنها في ميثاق الأمم المتحدة لسنة 1945م، وهي المحافظة على السلم والأمن الدوليين. وأن تعمل الدول الأطراف على تطوير العلاقات الودية، وتحقيق التعاون بين الدول. وأن قواعد القانون الدولي العرفية، هي التي تحكم المسائل التي لم تنظم بأحكام الاتفاقية، وعلى سبيل المثال، أثر التغيرات الجوهرية على التحفظ بحسب المواد 2، 19 من اتفاقية قانون المعاهدات لسنة 1969م مقروءة مع التحفظ المنصوص علية في المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه لسنة 1948م، المحدد لاختصاص محكمة العدل الدولية، للنظر والبت فيما هو متعلق بالإتفاقية من نزاع.
وعلاوة على الجوانب الموضوعية لمقبولية التحفظات، فإنه لقبول التحفظ، يجب أن يراعي التحفظ الشروط الشكلية المحددة له، للتعبير عنه كتابة، ببيانه مفصلاً، دونما إبهام وغموض، أو تعميم، أو أن تكون صيغة التحفظ الكتابية تعبيراً وبياناً له، هلامياً أو فضفاضاً. والشروط الشكلية للتحفظ، تتمثل بإيجاز في الآتي:
(1) أن يجب، أن يكون التحفظ مكتوباً، حتى يمكن إبلاغه رسميا للأطراف الأخرى في المعاهدة، بإرسال نسخة من أصل التحفظ للأمين العام للامم المتحدة، ويمتد هذا الشرط ليشمل القبول الصريح للتحفظ، أو الاعتراض عليه، وسحب التحفظ.
(2) أن يكون التحفظ دقيقاً، ومحدد الموضوع والمحل؛ فلا يجوز إبداء تحفظات ذات طابع عام دونما تحديد له، حيث لا يسمح بالتحفظ الذي تتم صياغته بألفاظ واسعة.
(3) أن يوضح التحفظ من الدولة المتحفظة، الأسباب الموضوعية الذي بنت عليه الدولة المتحفظة التحفظ، كمثال: أن المادة المتحفظ عليها من الاتفاقية ، تتعارض مع مبدأ سيادة الدولة والقانون الوطني المحلي للدولة المتحفظة. أو؛ أن المادة المتحفظ عليها، تتعارض مع القيم المعتبرة المقبولة السائدة في مجتمع الدولة المتحفظة. أو؛ أن المادة المتحفظ عليها تتعارض مع القيم الدينية والروحية المعتقدية للدولة المتحفظة.
(4) أن تكون الترجمة الكتابية اللغوية في نسختها الورقية الأصلية المودعة عند الأمين العام للامم المتحدة، ترجمة لغوية واحدة، ومطابقة للاتفاقية، وحيث لا يُعتد ولا يُعترف، بوجود أكثر من نسخة مترجمة للتحفظ.
وفي الواقع التشريعي للقانون، يتيح التحفظ للدولة، أن تكون طرفاً في المعاهدة، مع استبعاد الأثر القانوني للحكم المحدد الوارد في الاتفاقية التي تعترض عليه الدولة المتحفظة. وأنه لا يمكن للدول إبداء تحفظات بعد قبولها للإتفاقية؛ ويجب إبداء التحفظ في الوقت الذي تؤثر فيه الاتفاقية على الدولة المتحفظة. وحيث لم تخلق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات مفهوم التحفظات، ولكن قبول التحفظ، يحكمه قواعد القانون العرفي. ولذلك، يدخل في اختصاص محكمة العدل الدولية، تقويم مدى صحة التحفظات، ومدى اتفاقها مع موضوع المعاهدة وغرضها. وذلك أن من شان التحفظات، أن يحول دون التطبيق الفاعل والمتكامل لأحكام التفاقية، وكما قد يؤدي إلى أضعاف احترام الدول لالتزاماتها. وفي هذا الصدد، كان لمحكمة العدل الدولية دور جيد في ممارسة الاختصاص، والذي تجسد بشكل مباشر في الرأي الاستشاري الذي أبدته في 28/5/1951م، بشان قضية التحفظات على اتفاقية مكافحة جريمة إبادة الجنس البشري(جريمة الإبادة الجماعية). وقد أعادت محكمة العدل الدولية التأكيد على الاختصاص، وإن كان بشكل غير مباشر في قضية الجرف القاري لبحر الشمال في قرارها الصادر في 20/2/1969م.
وبرأي، تبني خط رأي فقيه القانون الدولي بونيه دايموند، هو جوهر حجة الدفع من القانون والموضوع التي ستسعى له دولة جمهورية السودان، لمناهضة حجة التحفظ من دولة الامارات العربية المتحدة بشأن المادة التاسعة من إتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. لاعتبار النص من القانون الدولي هو المحدد لاختصاص محكمة العدل الدولية، للنظر والبت الشكلي والموضوعي في دعوى دولة جمهورية السودان ضد دولة الامارات العربية المتحدة. لاعتبار أن السيد/ بونيه دياموند في طرحه الفقهي، يتبنى موقفًا معيارياً، بشأن عدم مرغوبية التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها. وإن كان الممارسات في محكمة العدل الدولية، تدعم الرأي القائل بأن التحفظات على المادة التاسعة صالحة من الناحية القانونية. إلا أنه في عام 1951م، أصدرت محكمة العدل الدولية، رأيًا استشاريًا بشأن التحفظات على اتفاقية الإبادة الجماعية، مؤكدة أن التحفظات مقبولة، ما لم تكن غير متوافقة مع موضوع الاتفاقية وغرضها. وقد نشأت هذه المسألة أساسًا، لأن العديد من الدول التي سعت للانضمام إلى الاتفاقية الجديدة حينها، قدّمت تحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وإزاء ذلك، أرست محكمة العدل الدولية مبدأً تم ترسيخه لاحقًا في المادة 19 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969م، بمقتضاه، أتاح للدول التي قدمت تحفظات على بعض مواد الاتفاقية أن تصبح الدول المتحفظة أطرافًا في الاتفاقية، وكما أن المبدأ ساهم على انضمام العديد من الدول في الاتفاقيات التي تبرمها الدول فيما بينهم، وبالتالي، انضمام الدول في الاتفاقيات المبرمة ساهم على دخول تلك الاتفاقيات حيز التنفيذ.
وبوجه عام، محكمة العدل الدولية في الكثير من القضايا تعاملت مع التحفظات(بما في ذلك التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية)، بقولها التحييثي للحكم، أن الاعتراض التحفظي ضروري لضمان أوسع مشاركة ممكنة للدول. ومنذئذ، لم تشكك محكمة العدل الدولية في صحة التحفظات على المادة التاسعة في القضايا المتنازع عليها وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وأمكنت من النظر إلى قبول محكمة العدل الدولية لشرعية التحفظات في قضايا مثل قانونية استخدام القوة عام 1999م ضد إسبانيا والولايات المتحدة، وأن المحكمة أكدت ذلك في حكمها الصادر في 05 يونيو 2023م بشأن قبول تدخل أطراف ثالثة في قضية أوكرانيا ضد روسيا.
وفي ذات السياق، الفقيه/ بونيه دياموند يجادل في قضية الأنشطة العسكرية على أراضي الكونغو، حيث رفضت محكمة العدل الدولية في عام 2006م الدفع من القانون والموضوع الذي قدمته دولة جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد صحة التحفظ الذي قدمته دولة رواندا، على أساس المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها. ووجهة نظر بونيه دياموند، يرى أن محكمة العدل الدولية في حكمها الافتائي، ارتكبت خطأ واضحا في تحديد موضوع الاتفاقية وغرضها، بناءً على التمييز بين الجوانب الموضوعية والإجرائية للدفع من القانون والموضوع. وأن المحكمة أخفقت في الاعتراف بالطبيعة الآمرة لحظر الإبادة الجماعية، وحيث طبيعتها أنها من قواعد القانون الدولي العرفي.
وعلى حجج فقيه القانون الدولي بونيه دياموند، يشير القانون والفقه، أن اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، ليس هو السبيل العملي الوحيد لتنفيذ أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، ورغم تزايد القضايا المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها. فمن حيث المبدأ، ووفقًا للمادة الثامنة من اتفاقية الإبادة الجماعية، يمكن للدول اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو مجلس حقوق الإنسان لنظر النزاع أو لتنفيذ أحكام الاتفاقية. كما يمكن متابعة الامتثال لأحكام الإتفاقية من خلال المحاكم الوطنية، تبعاً لاختصاصها الدولي والوطني على السواء، المقرر تشريعا بقانون وطني محلي. أو اللجوء إلى تدابير وقائية مضادة، وفقا لاحكام ميثاق الامم المتحدة، لدواعي تعزيز حفظ السلم والأمن الدوليين. وتعتقد بعض الدول، أن تحقيق أهداف اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، يكون عبر القانون الجنائي الدولي، وتحديدًا المحكمة الجنائية الدولية.
وبالتالي، حكم محكمة العدل الدولية، ليس هو الوسيلة الوحيدة لضمان الامتثال للالتزامات الجوهرية المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها. وعموما، الوسائل البديلة للتقاضي امام محكمة العدل الدولية، ليس هو بالضرورة الأكثر فعالية، أو أنها(أي الوسائل البديله) فعالة بنفس درجة التقاضي أمام محكمة العدل الدولية، لكن من حيث القانون الوسائل البديلة موجودة.
ويقدم الفقيه بونيه دياموند، حجة معيارية، تفيد بعدم قانونية التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، مشيرا للتطورات التي حدثت بعد حكم محكمة العدل الدولية عام 2006م في قضية جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد رواندا، نتيجة الانضمام للاتفاقية، والزيادة في طبيعة النزاعات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان(قاعدة التغيير الطارئ المعدل لنصوص الاتفاقية، اثره على قبول التحفظ). ومع ذلك، من منظور قانوني، محكمة العدل الدولية في حكم افتائي لها في قضية غامبيا ضد ميانمار الصادر في 2022م، أكدت على حق الدول غير المتضررة في رفع قضايا بشأن اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، وتبعاً للحكم التمهيدي للمحكمة، انضمام دوله غير متضررة كطرف ثالث في الدعوى، لا يؤثر على صحة التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وينطبق الأمر ذاته على ظاهرة التدخل الجماعي من دول كطرف ثالث في القضايا للفصل والبت فيها وفقا لأحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وبحسب فقيه القانون الدولي بونيه دياموند، أنه يستشهد بقضية غامبيا ضد يانمار في قضية الانشطة العسكرية، لقوله أن التوجهات البارزة في حكم المحكمة غير كافية لإثبات وجود قاعدة عرفية آمرة في القانون الدولي العام(تلزم الدولة بالموافقة على اختصاص محكمة العدل الدولية لتسوية النزاعات المتعلقة باتفاقية الإبادة الجماعية). وذلك، بحسبما ذكرت المحكمة في قضية الأنشطة العسكرية. ويقول بونيه دايموند، ليس في ذلك إنكارًا للخلاف حول صحة التحفظات على المادة التاسعة (بما في ذلك بين قضاة المحكمة)، وقد أشار دياموند إلى أن بعض الدول اعترضت على هذه التحفظات في أوقات مختلفة. ومع ذلك، فإن غالبية الدول الأطراف في الاتفاقية لم تفعل ذلك(بما في ذلك دولة جمهورية السودان، التي لم تعترض على تحفظ الإمارات في الوقت المناسب). ومن منظور أوسع، فإن معظم معاهدات حقوق الإنسان الدولية تعطي خيار اللجوء إلى التحكيم كإجراء اختياري(وفي بعض الأحيان يكون ذلك صريحًا، كما في المادة 30(2) من اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984م)، مما يعزز الحجة القائلة، بأن التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، تتعارض مع أهداف اتفاقية الإبادة الجماعية. ولاسيما بشأن التحفظات تأكيد المواد 02، 19/(ج) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية لسنة 1969م، أن يكون التحفظ من حيث صيغته وتسميته منافيا لموضوع المعاهدة وغرضها. ولذلك، يصف بونيه دياموند التحفظات على المادة التاسعة من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها، بأنها مجرد(تفصيل تقني إجرائي، وتبت فيه المحكمة وفقاً لمقتضيات القانون والوقائع الموضوعية والوقائع الإثباتية). فبعض الدول لم تكن لتنضم إلى الاتفاقية، دون خيار التحفظ، على شريطة أن لا يكون التحفظ منافيا لموضوع المعاهدة وغرضها.

مرسال نيوز

تهدف مرسال نيوز إلى أن تكون الخيار الأول للقراء الذين يبحثون عن الأخبار الصحيحة والشاملة. تسعى المنصة إلى تقديم محتوى غني بالمعلومات يغطي مختلف المجالات مثل السياسة، الاقتصاد، الثقافة، والرياضة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى